محمد ابو زهره
23
خاتم النبيين ( ص )
ومن العقل انبثقت الروح التي هي واحدة الأرواح ، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء ، ومنه يكون التدبير والخلق . ويلاحظ أمران : أولهما - أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين ، وصارا يضربان على نغمة واحدة هي نغمة ذلك التثليث ، وهو ما اشتملت عليه النصرانية التي حالت إليها المسيحية التي تزعمها من تركوا ما دعا إليه المسيح عليه السلام . وبها تلتقى الفلسفة مع ذلك الدين ، وتلتقى الوثنية التي تتعدد فيها الالهة وتكوّن منهما تلفيق متناسق أو غير متناسق ، من غير نظر إلى كون هذا الامتزاج مزيجا قد اختفت فيه ظواهر العناصر الممتزجة في مزاج واحد ، أم لم تختف . الأمر الثاني - أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة 242 ميلادية ، اعتنق الديانة المسيحية الأولى التي جاء بها أتباع المسيح عليه السلام فيما نظن ، ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين . وجاء من بعده أفلوطين المتوفى سنة 270 م . وقد تعلم في مدرسة الإسكندرية أولا ، ثم رحل إلى فارس والهند ، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية واطلع على آراء بوذا ومذهبه ، وبراهمة الهند وديانتهم ، وعرف آراء البوذيين في بوذا ، وقد رفعوه إلى مرتبة الإله ، والبراهمة في كرشنة ، وقد رفعوه أيضا إلى مرتبة الإله ، وقد عاد من بعد هذه الرحلة التي تزود منها بالزاد البرهمى والبوذي إلى الإسكندرية التي كانت مهد مدرسته المثلاثة على النحو الذي بيناه . 19 - في هذه الموجة الفكرية كان يعيش العالم في القرن الثالث من مولد المسيح عليه السلام ، وقد استمر ذلك الاضطراب الفكري أمدا بعده ، حتى جاء القرن السادس ، وقد زادت المنازع وتخالفت المناهج ، وانحل الفكر انحلالا شديدا فيما يتعلق بالاعتقاد . وانشقت النصرانية التي انحرفت عن تعاليم المسيح عيسى بن مريم على نفسها ، فكان منها الملكانية وكان منها اليعقوبية ، واشتد الخلاف بينهما ، حتى انتقل الخلاف إلى عداوة فكرية ثم إلى عداوة تشبه العداوة الجنسية ، وأغرى الله تعالى بينهم بالعداوة والبغضاء ، وتفرقت النفوس والأفكار ، وضعف الاعتقاد ، وانحل الإيمان ، فإنه كلما انتقلت العقائد إلى أن تكون موضع مجادلات تضعف ، ويعرض لها الشك ، وينتهى اليقين ، وكذلك كان الأمر في الأرض التي كانت تعتنق النصرانية في القرن السادس ، في البلاد التي كانت تجاور الجزيرة العربية وفي الجزيرة نفسها .